فصل: سورة النور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (109- 111):

{إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (111)}
قوله تعالى: {إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا} 109 الآية. قال مجاهد: هم بلال وخباب وصهيب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزءون بهم. {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} 110 بالضم قراءة نافع وحمزة والكسائي ها هنا وفي ص. وكسر الباقون. قال النحاس: وفرق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزؤ، والمضمومة من جهة السخرة، ولا يعرف هذا التفريق الخليل ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال: عصى وعصى، ولجي ولجي. وحكى الثعلبي عن الكسائي والفراء: الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستبعاد بالفعل.
وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل فلا يكون. والكسر في سخرى في المعنيين جميعا، لان الضمة تستثقل في مثل هذا. {حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي} 110 أي حتى اشتغلتم بالاستهزاء بهم عن ذكرى. {وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} 110 استهزاء بهم، وأضاف الإنساء إلى المؤمنين لأنهم كانوا سببا لاشتغالهم عن ذكره، وتعدى شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم. {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا} على أذاكم، وصبروا على طاعتي. {أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ} قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة على ابتداء المدح من الله تعالى لهم: وفتح الباقون، أي لأنهم هم الفائزون. ويجوز نصبه بوقوع الجزاء عليه، تقديره: إنى جزيتهم اليوم الفوز بالجنة. قلت: وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المطففين: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34] إلى آخر السورة، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. ويستفاد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يغنى، وأن ذلك مبعد من الله عز وجل.

.تفسير الآيات (112- 114):

{قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)}
قوله تعالى: {قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ} قيل: يعني في القبور.
وقيل: هو سؤال لهم عن مدة حياتهم في الدنيا. وهذا السؤال للمشركين في عرصات القيامة أو في النار. {عَدَدَ سِنِينَ} بفتح النون على أنه جمع مسلم، ومن العرب من يخفضها وينونها. {قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أنساهم شدة العذاب مدة مكثهم في القبور.
وقيل: لان العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم. قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية، وذلك أنه ليس من أحد قتله نبى أو قتل نبيا أو مات بحضرة نبى إلا عذب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى، ثم يمسك عنه العذاب فيكون كالماء حتى ينفخ الثانية.
وقيل: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا وفي القبور وراؤه يسيرا بالنسبة إلى ما هم بصدده. {فَسْئَلِ الْعادِّينَ} أي سل الحساب الذين يعرفون ذلك فإنا قد نسيناه، أو فاسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا، الأول قول قتادة، والثاني قول مجاهد، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: {قل كم لبثتم في الأرض} على الامر. ويحتمل ثلاثة معان: أحدها- قولوا كم لبثتم، فأخرج الكلام مخرج الامر للواحد والمراد الجماعة، إذ كان المعنى مفهوما.
الثاني- أن يكون أمرا للملك ليسألهم يوم البعث عن قدر مكثهم في الدنيا. أو أراد قل أيها الكافر كم لبثتم، وهو الثالث. الباقون {قالَ كَمْ} على الخبر، أي قال الله تعالى لهم، أو قالت الملائكة لهم كم لبثتم. وقرأ حمزة والكسائي أيضا: {قل إن لبثتم إلا قليلا} الباقون {قالَ 30} على الخبر، على ما ذكر من التأويل الأول، أي ما لبثتم في الأرض إلا قليلا، وذلك أن مكثهم في القبور وإن طال كان متناهيا.
وقيل: هو قليل بالنسبة إلى مكثهم في النار، لأنه لا نهاية له. {لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ذلك.

.تفسير الآية رقم (115):

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115)}
قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً} أي مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها، مثل قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} [القيامة: 36] يريد كالبهائم مهملا لغير فائدة. قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن على: إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار الإسلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أباق سقاط لئام، وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران. و{عَبَثاً} نصب على الحال عند سيبويه وقطرب.
وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر أو لأنه مفعول له. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ} فتجازون بأعمالكم. قرأ حمزة والكسائي {ترجعون} بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع.

.تفسير الآية رقم (116):

{فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)}
قوله تعالى: {فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} 20: 114 أي تنزه وتقدس الله الملك الحق عن الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئا عبثا أو سفها، لأنه الحكيم. {لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} ليس في القرآن غيرها. وقرأ ابن محيصن وروى عن ابن كثير {الْكَرِيمِ} بالرفع نعتا لله.

.تفسير الآيات (117- 118):

{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)}
قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ} أي لا حجة له عليه {فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أي هو يعاقبه ويحاسبه. {إِنَّهُ} الهاء ضمير الامر والشأن. {لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ} وقرأ الحسن وقتادة: {لا يُفْلِحُ}- بالفتح- من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار لتقتدى به الامة.
وقيل: أمره بالاستغفار لامته. وأسند الثعلبي من حديث ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن حنش ابن عبد الله الصنعاني عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلى فقرأ في أذنه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً} حتى ختم السورة فبرأ. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ماذا قرأت في أذنه»؟ فأخبره، فقال: «والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال».

.سورة النور:

سورة النور مدنية بالإجماع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

.تفسير الآية رقم (1):

{سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)}
مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: علموا نساءكم سورة النور. وقالت عائشة رضي الله عنها: «لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل». {وفرضناها} قرئ بتخفيف الراء، أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام. وبالتشديد: أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة. وقرأ أبو عمرو: {وفرضناها} بالتشديد أي قطعناها في الانزال نجما نجما. والفرض القطع، ومنه فرضة القوس. وفرائض الميراث وفرض النفقة. وعنه أيضا: {فرضناها} فصلناها وبيناها.
وقيل: هو على التكثير، لكثرة ما فيها من الفرائض. والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة. قال زهير:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ** ترى كل ملك دونها يتذبذب

وقد مضى في مقدمة الكتاب القول فيها. وقرى: {سُورَةٌ} بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها {أَنْزَلْناها}، قاله أبو عبيدة والأخفش.
وقال الزجاج والفراء والمبرد: {سُورَةٌ} بالرفع لأنها خبر الابتداء، لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع، أي هذه سورة. ويحتمل أن يكون قوله: {سُورَةٌ} ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك، ويكون الخبر في قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي}. وقرى {سورة} بالنصب، على تقدير أنزلنا سورة أنزلناها.
وقال الشاعر:
والذئب أخشاه إن مررت به ** وحدي وأخشى الرياح والمطرا

أو تكون منصوبة بإضمار فعل أي أنل سورة.
وقال الفراء: هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه.

.تفسير الآية رقم (2):

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)}
فيه اثنان وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} كان الزنى في اللغة معروفا قبل الشرع، مثل اسم السرقة والقتل. وهو اسم لوطي الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها. وإن شئت قلت: هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، فإذا كان ذلك وجب الحد. وقد مضى الكلام في حد الزنى وحقيقته وما للعلماء في ذلك. وهذه الآية ناسخة لأية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء باتفاق.
الثانية: قوله تعالى: {مِائَةَ جَلْدَةٍ} هذا حد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة. وثبت بألسنة تغريب عام، على الخلاف في ذلك. وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة، لقوله تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ} [النساء: 25] وهذا في الامة، ثم العبد في معناها. وأما المحصن من الأحرار فعليه الرجم دون الجلد. ومن العلماء من يقول: يجلد مائة ثم يرجم. وقد مضى هذا كله ممهدا في النساء فأغنى عن إعادته، والحمد لله.
الثالثة: قرأ الجمهور: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} بالرفع. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي {الزانية} بالنصب، وهو أوجه عند سيبويه، لأنه عنده كقولك: زيدا اضرب. ووجه الرفع عنده:
خبر ابتدأ، وتقديره: فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني. وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند سيبويه النصب. وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه، والخبر في قوله: {فَاجْلِدُوا} لان المعنى: الزانية والزاني مجلودان بحكم الله وهو قول جيد، وهو قول أكثر النحاة. وإن شئت قدرت الخبر: ينبغي أن يجلدا. وقرأ ابن مسعود {والزان} بغير ياء.
الرابعة: ذكر الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى، والزاني كان يكفى منهما، فقيل: ذكرهما للتأكيد كما قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} [المائدة: 38]. ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما كان هو الواطئ والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد، فذكرها رفعا لهذا الاشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي. فقالوا: لا كفارة على المرأة في الوطي في رمضان، لأنه قال: جامعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كفر}. فأمره بالكفارة، والمرأة ليس بمجامعه ولا واطئة.
الخامسة: قدمت {الزَّانِيَةُ} في الآية من حيث كان في ذلك الزمان زنى النساء فاش، وكان لا ماء العرب وبغايا الوقت رايات، وكن مجاهرات بذلك.
وقيل: لان الزنى في النساء أعر وهو لأجل الحبل أضر.
وقيل: لان الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب، فصدرها تغليظا لتردع شهوتها، وإن كان قد ركب فيها حياء لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله. وأيضا فإن العار بالنساء ألحق إذ موضوعهن الحجب والصيانة فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما.
السادسة: الالف واللام في قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} للجنس، وذلك يعطى أنها عامة في جميع الزناة. ومن قال بالجلد مع الرجم قال: السنة جاءت بزيادة حكم فيقام مع الجلد. وهو قول إسحاق بن راهويه والحسن بن أبى الحسن، وفعله علي بن أبى طالب رضي الله عنه بشراحة، وقد مضى في النساء بيانه.
وقال الجمهور: هي خاصة في البكرين، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج العبيد والإماء منها.
السابعة: نص الله سبحانه وتعالى على ما يجب على الزانيين إذا شهد بذلك عليهما على ما يأتي وأجمع العلماء على القول به. واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد، فقال إسحاق بن راهويه: يضرب كل واحد منهما مائة جلدة.
وروى ذلك عن عمر وعلى، وليس يثبت ذلك عنهما.
وقال عطاء وسفيان الثوري: يؤدبان. وبه قال مالك وأحمد، على قدر مذاهبهم في الأدب. قال ابن المنذر: والأكثر ممن رأيناه يرى على من وجد على هذه الحال الأدب. وقد مضى في هود اختيار ما في هذه المسألة، والحمد لله وحده.
الثامنة: قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا} دخلت الفاء لأنه موضع أمر والامر مضارع للشرط.
وقال المبرد: فيه معنى الجزاء، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت الفاء، وهكذا {السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما}. [المائدة: 38].
التاسعة: لا خلاف أن المخاطب بهذا الامر الامام ومن ناب منابه. وزاد مالك والشافعي: السادة في العبيد. قال الشافعي: في كل جلد وقطع.
وقال مالك: في الجلد دون القطع.
وقيل: الخطاب للمسلمين، لان إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين، ثم الامام ينوب عنهم، إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود.
العاشرة: أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط يجب. والسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطا بين سوطين. لا شديدا ولا لينا.
وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدعا له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسوط، فأتى بسوط مكسور، فقال: «فوق هذا» فأتى بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: «دون هذا» فأتى بسوط قد ركب به، ولان. فأمر به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجلد... الحديث. قال أبو عمر: هكذا روى الحديث مرسلا جميع رواة الموطأ ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه، وقد روى معمر عن يحيى ابن أبى كثير عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثله سواء. وقد تقدم في المائدة ضرب عمر قدامة في الخمر بسوط تام. يريد وسطا.
الحادية عشرة: اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنى، فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: يجرد، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب.
وقال الأوزاعي: الامام مخير إن شاء جرد وإن شاء ترك.
وقال الشعبي والنخعي: لا يجرد ولكن يترك عليه قميص. قال ابن مسعود: لا يحل في هذه الامة تجريد ولا مد، وبه قال الثوري.
الثانية عشرة: اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء، فقال مالك: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما، ولا يجزى عنده إلا في الظهر. وأصحاب الرأى والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف، وهو قول علي بن أبى طالب رضي الله عنه.
وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة والشافعي: الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ممدود، إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه. وحكاه المهدوي في التحصيل عن مالك. وينزع عنه الحشو والفرو.
وقال الشافعي: إن كان مده صلاحا مد.
الثالثة عشرة: واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود، فقال مالك: الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر، وكذلك التعزير.
وقال الشافعي وأصحابه: يتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء، وروى عن على. وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى. قال ابن عطية: والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل. واختلفوا في ضرب الرأس فقال الجمهور: يتقى الرأس.
وقال أبو يوسف: يضرب الرأس.
وروى عن عمر وابنه فقالا: يضرب الرأس. وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا في رأسه وكان تعزيرا لا حدا. ومن حجة مالك: ما أدرك عليه الناس، وقوله عليه السلام: «البينة وإلا حد في ظهرك» وسيأتي.
الرابعة عشرة: الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه. وبه قال الجمهور، وهو قول على وابن مسعود رضي الله عنهما. وأتي عمر رضي الله عنه برجل في حد فأتي بسوط بين سوطين وقال للضارب: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه. وأتي رضي الله عنه بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة، فبعثه إلى مطيع بن الأسود العدوى فقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضربا شديدا فقال: قتلت الرجل! كم ضربته؟ فقال ستين، فقال: أقص عنه بعشرين. قال أبو عبيدة قوله: «أقص عنه بعشرين» يقول: اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته قصاصا بالعشرين التي بقيت ولا تضربه العشرين.
وفي هذا الحديث من الفقه أن ضرب الشارب ضرب خفيف. وقد اختلف العلماء في أشد الحدود ضربا وهى: الخامسة عشرة: فقال مالك وأصحابه والليت بن سعد: الضرب في الحدود كلها سواء ضرب غير مبرح، ضرب بين ضربين. وهو قول الشافعي رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: التعزير أشد الضرب، وضرب الزنى أشد من الضرب في الخمر، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف.
وقال الثوري: ضرب الزنى أشد من ضرب القذف، وضرب القذف أشد من ضرب الخمر. احتج مالك بورود التوقيف على عدد الجلدات، ولم يرد في شيء منها تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له. احتج أبو حنيفة بفعل عمر، فإنه ضرب في التعزير ضربا أشد منه في الزنى. احتج الثوري بأن الزنى لما كان أكثر عددا في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية. وكذلك الخمر، لأنه لم يثبت الحد إلا بالاجتهاد، وسبيل مسائل الاجتهاد لا يقوى قوة مسائل التوقيف.
السادسة عشرة: الحد الذي أوجب الله في الزنى والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الامام لذلك. وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شيء من ذلك، رضي الله عنهم. وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية وقربة تعبدية، تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها، بحيث لا يتعدى شيء من شروطها ولا أحكامها، فإن دم المسلم وحرمته عظيمة، فيجب مراعاته بكل ما أمكن. روى الصحيح عن حضين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان ابن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا على قم فاجلده، فقال على: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها «فكأنه وجد عليه» فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعلى يعد... الحديث. وقد تقدم في المائدة. فانظر قول عثمان للإمام على: قم فاجلده.
السابعة عشرة: نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة- على ما تقدم في المائدة- فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله. قال ابن العربي: وهذا ما لم يتابع الناس في الشر ولا احلولت لهم المعاصي، حتى يتخذوها ضراوة ويعطفون عليها بالهوادة فلا يتناهوا عن منكر فعلوه، فحينئذ تتعين الشدة ويزاد الحد لأجل زيادة الذنب. وقد أتي عمر بسكران في رمضان فضربه مائة، ثمانين حد الخمر وعشرين لهتك حرمة الشهر. فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات. وقد لعب رجل بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط فلم يغير ذلك مالك حين بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر بالمناكر وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة، لمات كمدا ولم يجالس أحدا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قلت: ولهذا المعنى- والله أعلم- زيد في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين.
وروى الدارقطني حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال: «رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتى بسكران، قال فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن عنده فضربوه بما في أيديهم. وقال: وحثا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه التراب. قال: ثم أتى أبو بكر رضي الله عنه بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين. قال الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، قال فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلى وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر! وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم. فقال على: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون، قال فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. قال: فجلد خالد ثمانين وعمر ثمانين. قال: وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، قال: وجلد عثمان أيضا ثمانين وأربعين». ومن هذا المعنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. في رواية: «لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم».
وروى حامد بن يحيى عن سفيان عن مسعر عن عطاء بن أبى مروان أن عليا ضرب النجاشي في الخمر مائة جلدة، ذكره أبو عمرو ولم يذكر سببه.
الثامنة عشر- قوله تعالى: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع، وهذا قول جماعة أهل التفسير.
وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: {لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ} قالوا:
في الضرب والجلد.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة، ثم قرأ هذه الآية. والرأفة أرق الرحمة. وقرى: {رأفة} بفتح الالف على وزن فعلة. وقرى: {رآفة} على وزن فعالة، ثلاث لغات، وهى كلها مصادر، أشهرها الأولى، من رءوف إذا رق ورحم. ويقال: رأفة ورآفة، مثل كأبة وكآبة. وقد رافت به ورؤفت به. والرءوف من صفات الله تعالى: العطوف الرحيم.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: أي في حكم الله، كما قال تعالى: {ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76] أي في حكمه.
وقيل: {فِي دِينِ اللَّهِ} أي في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود. قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. وهذا كما تقول لرجل تحضه: إن كنت رجلا فافعل كذا! أي هذه أفعال الرجال. العشرون: قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} قيل: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب. قال مجاهد: رجل فما فوقه إلى ألف.
وقال ابن زيد: لا بد من حضور أربعة قياسا على الشهادة على الزنى، وأن هذا باب منه، وهو قول مالك والليث والشافعي.
وقال عكرمة وعطاء: لا بد من اثنين، وهذا مشهور قول مالك، فرآها موضع شهادة.
وقال الزهري: ثلاثة، لأنه أقل الجمع. الحسن: واحد فصاعدا، وعنه عشرة. الربيع: ما زاد على الثلاثة. وحجة مجاهد قوله تعالى: {فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ} [التوبة: 122]، وقوله: {وَإِنْ طائِفَتانِ} [الحجرات: 9]، ونزلت في تقاتل رجلين، فكذلك قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. والواحد يسمى طائفة إلى الالف، وقاله ابن عباس وإبراهيم. وأمر أبو برزة الأسلمي بجارية له قد زنت وولدت فألقى عليها ثوبا، وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربة غير مبرح ولا خفيف لكن مؤلم، ودعا جماعة ثم تلا: {وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
الحادية والعشرون: اختلف في المراد بحضور الجماعة. هل المقصود بها الأغلاط على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، وأن ذلك يدع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة، قولان للعلماء.
الثانية والعشرون: روى عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يا معاشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال ثلاثا في الدنيا وثلاثا في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر وأما اللواتي في الآخرة فيوجب السخط وسوء الحساب والخلود في النار». وعن أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن أعمال أمتي تعرض على كل جمعة مرتين فاشتد غضب الله على الزناة». وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أمتي فغفر لكل مؤمن لا يشرك بالله شيئا إلا خمسة ساحرا وكاهنا وعاقا لوالديه ومدمن خمر ومصرا على الزنى».